arenfrfaestr

أوهام الجذور الموسيقية الخليجية: محاولة في النسب الثقافي

أحمد الواصل -باحث وأكاديمي سعودي

في أحاديث عابرة مع جدي الراوية الكبير إبراهيم المحمد الواصل (1917 -2003)، أحد رواة التراث الثقافي النجدي، حول تفكيك جذور مصطلحات هذا التراث النجدي، فسر لي معنى مصطلح "الشعر النبطي" الذي تنفّج زُمْرة من مؤرخين وباحثين ونقاد وصحافيين، في محاولات أفضت إلى إخفاقات لتفسيره، وذكر لي أن حضر نجد عندما يتحسسون مياهاً تحت التراب، يشرعون في حفر بئر ما يجعل الماء ينبر عليهم أو ينبط، ومن هنا جاءت المشابهة بينهما أي ما بين نبر الماء من الحفرة، ونبر الشعر بوصفه منطوقاً شفوياً، وهذا يدفع إلى أن مفردة "نبط" (كسر النون وفتح الباء) خاصة، باللهجة النجدية.

بينما اتخذ الأدب العامي، المأثور نشأته في مستوى لغوي، يحاكي المنطوق أكثر من الكتابة الفصحى، على استمرار الكتابة الفصيحة في شؤون رسمية في مناطق عربية أخرى. غير أن عصور الاستيطان الأخيرة في نجد، منذ القرن الخامس عشر الميلادي بحسب أطروحة الباحث التاريخي عويضة بن متيريك الجهني، بعنوان " نجد قبل الوهابية" (2000) استمرت في الحوليات النجدية والصكوك والوصايا وسواها، مثلاً، "خزانة التواريخ النجدية" (1999) للعم الشيخ عبد الله البسام – رحمه الله. أي أن هناك في كل إقليم لغة يتعارف عليها، مشتقة من العربية الفصحى، بمعجم وقواعد نحوية وصرفية خاصة، وقد تنبه إلى ذلك محققو الحوليات النجدية، مثل العم الدكتور عبد العزيز الخويطر (حقق: حولية ابن منقور ت. 1713)، والعم عبد الله الشبل - رحمهما الله، (حقق: حولية ابن ربيعة ت.1745، ابن عباد ت. 1761، الفاخري ت. 1860).

وأفاد الباحث في الأدب النبطي، سعد الصويان، مما سمعه من جدي في إحدى زياراته ومحاورته أثناء تحضير أطروحته للدكتوراه "الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص" (2000) بأن رأى توثيقاً لذلك المعنى الضائع في بيت للشاعر أبي حمزة العقيلي أو شفيع العامري (القرن الخامس عشر الميلادي):

"الله من بيت وقصيدة شاعر              عن الامور المعضلات حميدا

كالدرّ إلاّ أنها نبطيةٌ                     تحلو على التكرار والترديدا"

ومن هنا فإن مصطلح "نبط" لشعر العامية النجدية منذ القرن الخامس عشر الميلادي أو قبله، يوازي مصطلح "زجل" الذي اصطلح عليه في الأندلس منذ القرن الحادي عشر الميلادي، واستخدم في شمال أفريقيا إبان طرد الموريسكيين من محاكم التفتيش الإسبانية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وما زال يستخدم حتى نهاية العصر العثماني، في مصر والشام والمغرب.

ولا ينكر أن لكل جماعة أدبية تسمية متداولة، وهذا ما نجده في تسمية الأشكال الشعرية الفصيحة والعامية، مع الأخذ بالاعتبار أن بعضها استعارت مصطلحات في الغناء العربي أيضاً، عند العراقي صفي الدين الحلي (الرابع عشر الميلادي)، بمختاراته الشعرية، في أكثرها شعر مغنّى، بكتاب: "العاطل الحالي والمرخص الغالي"، والسوري ابن حجة الحموي (الخامس عشر الميلادي) في مختاراته "بلوغ الأمل من فن الزجل" ثم يأتي المؤرخون، وأكثرهم يتجاهل، ومنهم من يجتهد ويخطئ، تحت وهم أنه يقترح مصطلحاً، مثل الحوراني عند ابن خلدون (الخامس عشر الميلادي) في مقدمته الشهيرة، أو الحميني عند محمد حسني العامري (1874 - 1954)، في كتابه "نزهة الأحباب في تاريخ مصر وشعراء العصر ومراسلات الأحباب" (القاهرة، 1897).

ولكن عندما قام الحاكم القطري، الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني (1825-1913)، بطباعة مجموع شعري وتاريخي، بعنوان: "رسالة في شعر النبط كما أن شعر بني هلال من هذا النمط" (الهند، 1907)، فهو يفتح باباً كبيراً لتقديم مجتمع الخليج العربي، ذي الأصل من شبه الجزيرة العربية، ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، عن جذور هذا الشعر، على الأقل، لغوياً، وهذا مجال بحثي، يختص بما أسميه "النسب الثقافي"، موضوع هذه المقالة العلمية، فليست ذاتية وإن أوهم مبتداها، وإنما يقودها الموضوع وتفاصيله اللازمة.

إذن، ما الذي جعل الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني، يبحث عن النسب الثقافي إلى قبائل بني هلال؟.

هذه العشائر، من بينها هلال وسليم ودريد والأثبج ورياح، المنقطعة عن الجزيرة العربية، في تحالفاتها السياسية المضطربة، مرة مع القرامطة في القرن التاسع الميلادي، ثم مع الفاطميين في القرن الثاني عشر الميلادي، ورصد ذلك كل من المؤرخ ابن العديم (منتصف القرن الثالث عشر الميلادي)، وابن خلدون نهاية القرن الرابع عشر كما أكمل المقريزي رصد ذلك إلى منتصف الخامس عشر الميلادي أي: حتى توطنها وانصهارها في شمال أفريقيا، وما ظهور سيرتها الشعبية بعنوان "تغريبة بني هلال" (في مجلداتها المتداولة حتى القرن العشرين) إلا استعادة لبطولات غابرة، ومحاولة لتكريس نسب تاريخي وجغرافي مع مواطنها في شبه الجزيرة العربية. إذ تتكون التغريبة من نصوص سردية وشعرية، بلغة عامية، تشوبها لهجة رواتها سواء في الشام أو مصر أو تونس، ومن الغريب أنها يمكن أن تكون النموذج الملهم لنصوص الشعر النبطي، خاصة على البحر الطويل، المسمى بـ "الطَرْق الهلالي" وهذا ما يوحي أن هناك تواضعاً خاصاً، جرى بين الشعراء ورواتهم على هذين المصطلحين: الشعر النبطي والطرق الهلالي، بالإضافة إلى الطروق الأخرى، فهي تتضمن إشارات مختلفة، منها إلى عشيرة، مثل الطرق الصخري، أو إلى سحب قوس الربابة، الطرق المسحوب، إلى مهنة، مثل الطرق الهجيني، ثم ننتهي إلى  اللعبونيات نسبة إلى الشاعر محمد بن لعبون الذي قضى عام 1831، ولا بد أن ابتكاره الشعري المتخذ مما يسمى مخلع البسيط نسب إليه بعد وفاته وتداوله في المدن التي ولد وأقام وترحل بينها  نهاية القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين، وهي (ثادق، الزبير، الكويت، البحرين)، وبحر البسيط كاملاً وليس مخلعاً، الأصل المشترك لكل من الطرق الهجيني أو إعادة تشكيله في سبع أبيات (الثلاثة والسابع قافية والرابع والخامس والسادس قافية أخرى) فتسمّى بالنعماني حسب الحلي في القرن الرابع عشر الميلادي، ثم سمي بالعراق، الزهيري في القرن العشرين بوهم من مؤرخيه: عبد الكريم العلاف (1894-1969) في كتاب "الموال البغدادي" (1963)، ويدرج تسميته بالمسوبع في الأحساء والبحرين.

إذن، للتسميات أسبابها، فلا تعطينا إلا استخدامات تاريخية، وتعمى عن الجذور، وإن أوهمتنا فتسهل عملية نقض أي محاولة متهافتة ولكن يمكن أن تحاول بعض المقولات المبررة، على شكل أسطورة (مشحونة بالقداسة أو الخارقية) أو خرافة (منزوعة القداسة)، أن تقول أمراً أبعد من الجذور. إنها محاولة لتكريس نسب ثقافي، مثلما توازيها محاولات أخرى، في النسب التاريخي، سواء في بعده الجغرافي (الحضري والبدوي)، أو الاجتماعي (القبلي والفئوي) أو الديني (المذهبي).

وقد بذل مؤرخو دول شبه الجزيرة العربية، في قرون عدة، تكريس حالات النسب التاريخي بضراوة، مثل حمد بن لعبون (ت. 1844)، وراشد بن جريس (ت. 1885)، وعبد العزيز الرشيد (ت.1938)، ومحمد بن خليفة النبهاني (ت. 1951) وأعانهم عليها نقلاً أو تحالفاً، نسابة ورواة، ورحالة أجانب، ومؤرخون عرب، وتكونت ألغاز شقي بها الجهني والصويان (أنظر المراجع في نهاية المقالة)، وللباحثين القادمين أن يشتبكوا مع هذه الألغاز الصائرة، في صور أسطورية أو خرافية، وهذه حالة معقدة، لأسباب متعددة، تعقب مراحل اتفق على تسميتها بالفراغ الحضاري أو استفحال البداوة.

إذن، فمحاولة نسبة ذلك "الشعر النبطي" إلى بني هلال، هو شعور المجتمعات الخليجية، التي بدأت موجة استيطانها منذ القرن الرابع عشر الميلادي، باحثةً عن تبرير وجودها الثقافي، ومثيله في مجالات أخرى. هذا ما تقوم به الشعوب عندما تنزع إلى صناعة هويتها، فهي تعيد تشكيل العناصر وترتيب المكونات، وهكذا المجتمعات العربية عبر حقبها التاريخية لآلاف من السنين، تتوطن وتزدهر ثم تتدمر وتنقطع، وتعاود الكرة، وهذا ما يسمى بمسار الحضارة العربية، أحد مكوناتها ونتاجها الثقافة، فكل ما تجمع من تراث وآداب وفنون وأفكار ومبادئ وقيم، هم فاعلوها وشهودها في آن معاً.

 

مقولات النسب الثقافي:

لأكثر من عقدين، من الاطلاع والقراءة، والمشاهدة والسماع، لاحظت اضطراباً بين مقولات مؤرخي التراث الثقافي الخليجي، المعنوي خاصة، حول الجذور أو محاولة تفسيرها، على اختلاف أهدافهم أو حوافز التأليف عندهم، وبين الاطلاع  على تسجيلات مرئية لبعض أولئك من ممارسيها، وأكثرهم، نقلة محترفون، وهذا ما ظهر في حوارات مسجلة، لكل من المغني الكبير عبد اللطيف الكويتي (1900-1975)، أجرى الحوار معه  الإعلامي رضا الفيلي في تلفزيون الكويت (1965)، وله حوار آخر في إذاعة البحرين (1971)، ثم أجرى الملحن الجميل عثمان السيد، (1976)، حوارين مع الملحن والمغني سعود الراشد (1922- 1986)، والمغني الشهير محمد زويد (1900 -1982).

لقاء الإعلامي رضا الفيلي مع المغني الكبير عبد اللطيف الكويتي:

https://www.youtube.com/watch?v=7C0IcfmOcPc&t=2s

لقاء الملحن والمغني عثمان السيد مع المغني والعازف محمد زويد:

https://www.youtube.com/watch?v=6g4aei3f9VY

لقاء الملحن والمغني عثمان السيد مع المغني والملحن سعود الراشد:

https://www.youtube.com/watch?v=8ICWZ9U9X34

إذ تكشف لنا الممارسة، بالموقف الذهني والسلوك العياني، معنى يحجبه عنا حاجب لسبب ربما نعذره أو نشنع عليه.

وهنا سأتفحص مقولات تتخذ صورة الأسطورة أو الخرافة، كأن ينسب أحد مغني البلاط الهاشمي في العراق أو البلاط الصباحي في الكويت، إن جاز القول، فن الصوت إلى العصر العباسي، أو ينسبه آخر إلى حكاية غرام براقصة هندية في بومبي (المقولة الأولى)، أو ينسب فن الفجري إلى الجان، حيث شاهدهم في مسجد يؤدونه، من قبل الغواصين المستعبدين (المقولة الثانية)، أو يكون نسبة إلى معلم، أو أب منسي ومجهول بجعل أستاذ أحد مغني الخليج من إقليم آخر، في أقصى الجزيرة العربية (المقولة الثالثة).

هذه المقولات، في ظاهرها، تمنحنا محاولة تأصيلية لنسب الفنون، لكنها توقعنا في حيرة منها، لأنها تقصد أمراً آخر، ليس التأصيل، بقدر التفسير لأمر يمارس توارثاً. فقد تكاثرت الأسئلة دون أجوبة، ما جعل من تلك الأسطورة أو الخرافة تخميد لذلك السؤال الحائر، واستعادتهما رواية أو حكاية، إصرار في انتزاع شجرة من جذورها أو سحب طائر من تحليقه، الذي يفضي إلى فراغ في كثير من الأحيان.

 

المقولة الأولى، عبد اللطيف الكويتي فن الصوت من العصر الأموي والعباسي:

قدم الباحث في تاريخ التراث الثقافي الكويتي، والملحن والشاعر والمغني يوسف دوخي، أحد ممثلي الثقافة الزنجية في شبه الجزيرة العربية، في كتابه "الأغاني الكويتية" (1984)، شجرة الغناء الكويتي، بأنواع ثلاثة: الصوت والسامري والنهمة، ووزعها بأن الصوت أغنية عربية قديمة – وهذا محل اعتراض كبير–، والسامري من أغاني عرب البادية – وهذا خطأ فادح –، وأغاني البحر والبحارة دعاها نهمة، ونسبها – أي الشجرة – إلى أشخاص عدة، من أبرزهم محمد بن لعبون وعبد الله الفرج، باعتبارهما من ممثلي المدرسة الأولى على أن الفرج ولد بعد وفاة ابن لعبون بخمس سنوات، ولم يتجايلا ولم يشكلا حركة غنائية متلازمة، بغض النظر عن تباين الأساليب.  لكن يبدو أن المجتمع الكويتي بعد وباء الطاعون 1831 دخل في مرحلة فقد ذاكرة، ولم يستمر ذكر ابن لعبون سوى في مواطن معيشته على أخصها الزبير ثم البحرين، ولا شك أن والده ظل يعيش في نجد، بلدة التويم، حيث كان قاضياً ويدون تاريخه آنذاك.

هذه المحاولة من دوخي، توثق موقفه بوصفه أحد فئات المجتمع الكويتي ويمارس حقه المشروع في المشاركة في لعبة التنسيب الثقافي، وليس بالضرورة تقول الحقيقة، فلا نسعى إليها، أو تسمح لنا، فالحقيقة مستورة برمز أو لغز.

ولكن عندما استعرض دوخي، أنواع فن الصوت الشامي والعربي والخيالي، قلّب صفحات مجلدات كتاب "الأغاني" للأصفهاني (القرن العاشر الميلادي) ليوقع المصطلحات على بعضها، على سبيل التوهم.

وهذا التوهم قاد، قبل دوخي، المدون الموسيقي أحمد علي، أحد أعضاء فرقة الإذاعة الكويتية، حين درس ونقّط نماذج من فن الصوت الشامي (ذي النصوص العامية)، والعربي (ذي النصوص الفصيحة) وحدث خلط لاحقاً، أخفى الفروق نهائياً، وضع كتاب "الموسيقى والغناء في الكويت" (1980) إلى نسبة إيقاع الصوت العربي إلى إيقاع الهزج، حسب كتاب "الأدوار في معرفة النغم والأدوار" لصفي الدين الأرموي في القرن الثالث عشر الميلادي، ومصطلح الهزج (تفعيلته: مفاعيلن) يطلق على بحر شعري هو نفسه بحر الوافر (مفاعلتن) مع اختلاف جواز أو منع زحاف (التحريك والتسكين والحذف) وعلل (النقص والزيادة)، شبيه بالفارق بين مبدأ ومستقر مقامي الرصد (دو/ الأولى) والبياتي (مي/ الثانية).

ولعل هذا التداخل بين الوافر والهزج، يلتبس علينا لولا تثبيت الاختلاف الصرفي في اللهجة العامية، في شعر التفعيلة العامي، عند فايق عبد الجليل وبدر بن عبد المحسن، يسحبنا نحو بحر الهزج لا الوافر.

ونعود إلى أن التوهم الذي قاد علي إلى الأرموي، هو نفسه الذي قاد دوخي إلى الأصفهاني.

والذي قاد إلى هذا التوهم المغني الكبير عبد اللطيف العبيد، الشهير بالكويتي، عند مدوني بيانات الأسطوانات منذ أول أسطوانة 1927، فهل توهم أن غناءه لقصيدة "عواذل ذات الخال" للشاعر المتنبي أن ينسب لحنها إلى عصره أيضاً؟.

فحين سمح بإجراء حديث تاريخي معه، عام 1964، إثر موافقته على تسجيل ثلاث حفلات ربيعية (فبراير) وصيفية (يوليو) وشتوية (أكتوبر) عام 1965، ضمنهما مختارات من أغانيه: فن الصوت والسامري واللعبوني، وأغنيات حديثة، بعضها من شعر أحمد الجابر الصباح وشقيقه عيسى العبيد، لحنها له صالح بن عزرا، وعبد الحميد السيد.

ذكر للإعلامي رضا الفيلي، في معرض حديثه عن لقاء والمغني والملحن محمد عبد الوهاب، عن مصدر تلك الأغاني التي يسجلها لصالح شركة أوديون آنذاك في القاهرة 1927. فقال له:

"هذه الأغاني قديمة أنا ما أعرف من لحنها ونحن نغنيها سمعناها من آبائنا وأجدادنا ورفاقتنا من قديم. أما أنا ما أعرف عنها شيئاً" (تلفزيون الكويت، 1965).

تعجب عبد الوهاب، على أنه تلك الفترة، كان غارقاً بين استعادة موروث الطرق الصوفية، في تلاحين القصائد والمواويل، والانفتاح على موجة الغناء الأوروبي واللاتيني التي بنى عليها الكثير من ألحان أغانيه الجديدة، سواء في الأسطوانات أو الأفلام، إبان العقود الثلاثة الأولى من العشرينيات حتى الأربعينيات.

وأعيد السؤال على العبيد، مرة أخرى، فذكر – ويبدو أن مقولته السابقة ألحت عليه بالتحديد حول هذا القديم –، فقال:

"يقال بأن هذي الأغاني يشدونها [هكذا] المغنون في زمن الأمويين والعباسيين، كما نسمع من آبائنا وأجدادنا هذا الكلام" (إذاعة البحرين، 1971)..

وهذه المقولة دفعت مباشرة يوسف دوخي نحو الحفر مطولاً في كتاب الأصفهاني، وعلى آخر في كتاب الأرموي، لبحث تلك الجذور الضائعة.

لكن سينسف هذه المقولة رحالة لبناني مسيحي، بولس أنطون مطر، في كتابه "خليج الأغاني" (1980)، جاء نهاية السبعينيات، وتنقل بين دول الخليج العربي: الكويت والبحرين وقطر، ليدون بعض مرئياته ومسموعاته عن التراث الثقافي العربي، فقد ناقش هذه الفرضية، فرضية الأصل الأموي والعباسي، ثم نفاها حين أورد مقولة تريد أن تقول ضمناً أن أصلاً هندياً للغناء العربي، حيث عشق عبد الله الفرج راقصة هندية وجلس تحت نافذتها ليغني لها، أي أن هناك أساتذة هنود للفرج علموه الغناء، وإن أخذنا بتعلم الفرج للغة الهندية والانجليزية، وتعلمه النظريات الموسيقية والعزف الآلي، فهل هذا سيقتلعه من جذوره العربية؟.

يدرس الكثير من أبناء المجتمعات العربية، في مدارس ذات لغات أجنبيه، لكنهم من أسر عربية، فهل ينتزع منهم التراث الثقافي العربي؟.

الكثير من الجالية العربية القادمة من شبه الجزيرة العربية إلى الهند، أليست مثل أي جالية، تضع حدوداً ثقافية واجتماعية على محيطها؟. حتى وإن تعاملت اقتصادياً مع التجار والعمال الهنود بصورة مباشرة، وإن حصلت مصاهرات وقتها، فهل تلغي الحضور العربي هناك؟. إن الهنود في المجتمعات الخليجية وإن عاشوا في البيوت خدماً وطباخين وسواقين، بالإضافة إلى تواجدهم في مرافق أخرى، لم نأخذ عنهم اللباس والطعام والغناء والرقص كما لو كنا شعوباً همجية أو بدائية، هل هذا نفي وجود إنسان شبه الجزيرة العربية؟.

إن مقولة بولس محددة بأن المجتمع الخليجي أفاد من رحلاته الشرقية، في شؤون الملاحة والتجارة، بينما مقولة العبيد تقول إن المجتمع الخليجي، وقد كان وقتها مثيل أي كويتي يتنقل بين الكويت والبصرة وبغداد والزبير وسوق الشيوخ، لأعمال وعلاقات متشعبة ومعقدة، لأسباب تاريخية واجتماعية وسياسية، بأن هذا المجتمع يحمل نفس التراث الثقافي، سواء في المشترك العرقي واللغوي والتاريخي، أو المشترك الثقافي، من آداب وفنون.

فلا أصل هندي، ولا أصل أموي أو عباسي، وإنما حضارة عربية متواصلة.

 

المقولة الثانية: بولس أنطون مطر (1980) فن الفجري، فن الجان.

يتوجب علينا التفرقة بين فنون ذات طقوس استشفاء، مثل فنون الزار، القائمة على انتزاع "فن التحميد" أو ما درج تسميته "الشيلة" أو "فن القادري" بوصفه الوصلة الغنائية والراقصة، من فصول المولد النبي، على الطريقة القادرية – الرفاعية، شرق الجزيرة العربية، وهذا الفن مدروس عند الباحثة فايزة مبارك بلال، في كتاب "أغاني المالد الدينية في الكويت" (1994)، والذي اختصت به الفئة الأفريقية المتوطنة، أو المتداخلة، مع فنون غرب أفريقية الوافدة ثم المتوطنة ثم الزائلة، مثل الليوة (الصومال) والطنبورة (النوبة).

وقد نقلت الجاليات الأفريقية المهاجرة إلى سواحل البحر الأحمر أو بحر العرب أو الخليج العربي، فنونها، من بينها طقس استشفاء، يمكن تضمينه داخل أي فن من الفنون يتدرج من حالة تمهيد غنائي، يصاحبه نصوص متداخلة اللغة عربية – أفريقية – ثم حالة رقص جماعي، يتحول إلى حالة هيجان فردي حتى الإنهاك، ويرصد ذلك الباحث في التراث الثقافي البحريني جاسم محمد بن حربان "الزار" (البحرين، 2005).

يفهم أن هذا الطقس ملازم لأفراد تواجه حالات من الاغتراب والاضطهاد والتمييز، على أنها تمارس هذا بصورة عنيفة تجاه أهل بلاد هجرتها، ولعل هذا واضح في المجتمعات ذات الهجرات القسرية سواء الأفريقية أو اللاتينية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، منذ القرن الثامن عشر الميلادي.

يبدو أن التاريخ الثقافي، وليس الحضاري، يحكم فئاته أينما انتقلت ومهما توفرت لها مرافق وخدمات الحضارة.

اشترك هذا المهاجر بوصفه أحد عمال البحر، مع عامل من أبناء البلاد، بمهن البحر المتعددة، أشهرها الغوص، أو العمل على السفنية، مختلف الأعمال التشغيلية من حمل وسحب ومساعدة وتخزين وتجديف ورفع وإنزال شراع، بالإضافة إلى مهن الموانئ من تنظيف وإعداد وتحميل السفن الراسية.

اجتمع القهر في العمل البحري، تحت رحمة الغواص الذي بدوره تحت رحمة الطواش (تاجر اللؤلؤ) وزبائنه، واجتمع الخوف من مجاهل البحر وكائناته والموت غرقاً أو افتراساً، والأمراض البحرية.

إن شخصية تنام وتصحو على القهر والخوف، تبحث عن تسليتها في فصول وتنزيلات فن الفجري، فهي تنهض منذ الفجر لتعد العدة لرحلة الغوص، وهذا سبب التسمية دون الخوض في تخرصات عدة.

يمارس هؤلاء البحارة، الغواصون والنواخذة، ومن ملك موهبة الغناء من نهام، والإيقاع على الجحال (الجرار) والطوس (أو الطويسات)، والمرواس والتصفيق، فنوناً تتضمن الغناء الفردي، كالجرحان أو النهمة (الموال)، الذي يقوم به نهامان، بوصفهما حنجرتان تعبران عن حالة الإنسان في القهر من السيد / النوخذة، والخوف من البحر / الموت، ويشترك عدد كبير، ربما عدد من البحارة ممن يعملون في أكثر من بوم / سفينة، سواء على أسطح السفن الراسية أو في دور مخصصة، بعضها كانت عششاً والأخرى مسقوفة.

يتنافس هؤلاء النهامة، وبعضهم شعراء، في استخدام شكل شعري، يدعى المسوبع، أي ذي السبعة أشطر، ويقف كثير من شعراء الكويت والبصرة على بحر البسيط، أو الهجيني، ويشتق منه شكل شعري يدعى المويلي، يستخدم للتحميد بينما يضيف شعراء الموال في البحرين والأحساء بحر الوافر، أو الصخري، وهذا يدل على أن تقاليد هذا الغناء نابعة من مكانها.

إذا رأينا أن الجحلة أو الجرة إحدى أواني تخزين المياه، منذ خمسة آلاف سنة، استخدمت آلة إيقاع لما يظهر دوي الصوت داخلها فارغة، عندما يضرب من خارجها، كأنما تشابه آلة العود حينما ينقر على وتر مشدود برقبته فيدوي في بطنه صدى الوتر.

يعوّض النهامان في درجات وسطى وعالية وجود الآلات، ربما لا يعوضان، وإنما نقول يرتكز فن الجرحان دون إيقاع ومصاحبة كورالية، والنهمة (على إيقاع ومصاحبة كورالية) بين صوتين على حالة البسط والنداء والتفجع والشكوى والرجاء، تعبيراً عن صور القهر على الأرض وسطح السفينة، ترافقهما زفرات متواصلة في درجات خفيضة جداً توحي بأصوات الأبواق، ثم يبدأ غناء جماعي موقع تعلو فيه صوت الجحال، ويرتقي النهام درجة أعلى ليكمل سلسلة الحالة كأنما يصرخ من جوف البحر بعد موته.

نموذج فن الفجري النهامان البحرينيان سالم العلان – أحمد أبو طبنية:

https://www.youtube.com/watch?v=4D_dIEdH564

يتسابق بعض الباحثين المتعجلين، لإطلاق أوهام جديدة، كأن تنسب هذه الطريقة بكل ما فيها من عناصر بشرية ونصوص شعرية وطريقة أداء منفرد وثنائي وجماعي، وأداء مرسل ثم موقع إلى خارجها، فقد توهم الباحث محمد جمال، في بحث ألقاه، في الندوة العلمية "الموسيقى والغناء في دول الخليج العربي" (البحرين، 2002)، أن تكون هذه طريقة أداء تراتيل الطقس النسطوري، إحدى كنائس المسيحية الشرقية الغائرة، في الطقوس المسيحية المنزوية نحو الشرق الأقصى، ويتناسى نهائياً أن تقاليد الأداء الكنسي مبنية حرفياً، مع تغيير النصوص والمناسبات، على أداء المعابد البابلية المتوارث في المعابد اليهودية ثم المعابد النبطية ثم المسيحية، ويدرس هذا، الباحث علي الشوك "أسرار الموسيقى" (2003).

ترتيلة المجد للثالوث القدوس – جوقة الرهبانية الباسيلية الشويرية (الطقس البيزنطي):

https://www.youtube.com/watch?v=bsAPrcU7Sck

Maronite Christmas Novena - سبحان الكلمة السر العظيم (الطقس السرياني):

https://www.youtube.com/watch?v=Mll6ez9wPWk

لحن فلنسبح الرب – عيد العنصرة وصوم الآباء الرسل – عربى (الطقس القبطي):

https://www.youtube.com/watch?v=AYcwmk1HxdE

صلاة ميداه اليهودية Jewish Prayer Amidah in Synagogue:

https://www.youtube.com/watch?v=785e-FxruvI

إن الحكاية التي نقلها كل من مطر، وبن حربان، في كتابه "لفجري" (1994) حول تعلم البحارة غناء الفجري من الجان في مسجد مهجور، وعاهدوا ألا يفشوا سرّ هذا الغناء حتى اضطر آخر من شهدهم تعليم سواه من البحارة، ليكون فن الفجري فن عمال البحر، لهو تأكيد بأن هذا الغناء متوجه نحو إله البحر الذي لم يحمهم من قهر آلهة الأرض، بل سلمهم إلى الموت، كما يقدم لنا صورة لعلاقة الإنسان بالإله، بوصفه العزاء الدائم من خيبات الحياة.

وإن اشتبه هذا الغناء الذي ترد جذوره إلى الجان، بطرق الإنشاد الديني السامي، فهي إشارة منهم إلى أنه ملهم إليهم عبر عصور سحيقة، كأنما ينسبون أنفسهم إلى القهر والخوف، وهما شعوران إنسانيان يطاول عمرهما على الأرض.

نموذج فن الفجري – عدساني النهامان البحرينيان سالم العلان – أحمد أبو طبنية:

 https://www.youtube.com/watch?v=YWRTapRFs3I

ملاحظة: استعاضوا بالجحال الطيرانَ (الدفوف).

إذن، تعزى هذه التقاليد المتوارثة، إلى طرق الأداء الديني السامي، بين مجتمعاتها المختلفة، استخدام الصوت المنفرد والجماعي، في التناوب أو التعدد الصوتيين، أو فريقين من الكورال في حالة تناوب أو تعدد صوتي، كلها عائدة إلى تقاليد دينية منتشرة في الهلال الخصيب ونقلت قسراً مع ترحل الأديان وتشعبها سواء اليهودية أو المسيحية أو الإسلام، بل إن موجة تعريب الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد)، ثم النصوص الأدبية، كالمزامير ونشيد الإنشاد والأمثال والجامعة، اعتمدت بحور الشعر السريانية الريفية أو بحر الشعر العربي سواء الحضرية أو البدوية، هل يمكن الاستماع إلى ترتيلة "واحبيبي واحبيبي" على بحر الرمل ذات لحن من الطقس البيزنطي، أو "يا مريم البكر" على البحر البسيط (كتبها المطران الماروني يوسف دريان 1861-1920)، ذات لحن سرياني أو مديحة "يا ميم ر ميم" على شكل المربع، ذات لحن من الطقس القبطي؟.

ترتيلة واحبيبي واحبيبي (1962) – فيروز:

https://www.youtube.com/watch?v=wHu-SRjKPF8

ترتيلة يا مريم البكر (1977) – فيروز:

https://www.youtube.com/watch?v=eiLavVSP7gY

ترتيلة يا ميم ر ميم (2015) – فيروز:

https://www.youtube.com/watch?v=oBapI67BUEA

إن هذه المحاولة مرفوضة علمياً، لبحث نسب ثقافي، أو سلف ثقافي لفن الفجري، في فن التراتيل المسيحية، ولها تاريخ أساسه الشرق، في المعابد السامية، سواء في عصور بابلية أو كنعانية أو نبطية، ديانات التعدد الإلهي، أو في عصور يهودية أو مسيحية أو إسلامية، ديانات التفريد أو التوحيد الإلهي، فثمة منقولات متواضع عليها في أساسها الاعتقادي والثقافي والنظامي والطقوسي ولهذا مجال في دراسة تاريخية الأديان وشعوبها.

 

المقولة الثالثة: مبارك العماري، الأستاذ عبد الرحيم بن صالح المجهول

ومثلما قادت حكاية مطر عن فن الصوت لعبد الله الفرج وعشيقته الراقصة الهندية، ليوحي بأن هناك سلفاً هندياً للغناء الخليجي، فقد اختلقت شخصية أخرى مرة تنسب إلى الحجاز وأخرى إلى اليمن، في السيرة التي وضعها العم مبارك بن عمرو العماري، "محمد بن فارس: أشهر من غنى الصوت في الخليج" (1991)، وهي تختص بأستاذ للمغني محمد بن فارس آل خليفة (1895-1945)، الذي ولد لأب من أسرة حكام البحرين، وجدته – والدة أمه – من الرقيق الأفريقي، وهو الثاني بين شقيقيه المغنيين: عبد اللطيف وصقر وقد التقى بن فارس بشخصية إبان سفره إلى الهند، دعاها الرواة الواهمون، بعبد الرحيم بن صالح العسيري أو اليماني أو الحجازي، فهو يذكرنا بالشخصية الوهمية عبد الله بن سبأ في القرن السادس الميلادي.

إن ملخص وجود هذه الشخصية جاء نتيجة التباس كبير في ألحان قليلة، يغنى عليها نصوص عدة، منها لشعراء الحميني: حجازيون ويمانيون، توهم مدونو الأسطوانات في نسبة نماذج فن الصوت إلى بلدان الشعراء وهذا ما أحدث جلبة عند مؤرخين وباحثين من الخليج العربي، عندما أشكلت عليهم فوضى الأسلاف واحتمال ذلك. لكن الفنان محمد زويد، المجايل لمحمد بن فارس، ذكر أن ما أخذ من عبد الرحيم بن صالح، نصوص شعرية، في حواره المشار إليه بداية المقالة.

هل هناك مسألة خاصة، بين ابن فارس الذي يواجه مشكلة في تناقض وتلاقي نسب أبويه الحسب العربي والرقيق الأفريقي، وعلاقة ابن فارس بعبد الرحيم الغاوي والطريد من قاضي البحرين آنذاك، لكونه محط غواية النسوة والغلمان، فالتقاه في رحلة إلى الهند، في بومبي، واستمد منه سفينة، أي كتاب أشعار حمينية، والحميني شعر أصله في الحجاز وأخذ الشعراء اليمنيون عنه، وقد اعتمد الباحث أنس محمد سعيد كمال على مخطوطات حجازية كشفت ذلك في مجموعه الأدبي "السفينة" (1983).

وعلى أن هذه الشائعة القائمة على شخصية مجهولة دفعت الكثير من المؤرخين والباحثين اليمنيين، بتوهم أن فن الصوت نشأ في اليمن، وذلك لأن أستاذ ابن فارس يمنيّ، ويسقط هذا أنه لا أحد في اليمن يغني هذا الفن، وشبيه هذا بموجة الهجوم في عقد الثمانينيات، على  بحريني آخر خالد الشيخ عندما واجه أزمة نصوص شعرية، فاختار من خزين التراث العربي المتنوع، بما فيه الشعر الصنعاني، ما دفع دون ترو، ادعاء أنه سرق ألحان تلك النصوص من فنانيها في اليمن، وكثير منها لم يسجل واختلقت ألحان أخرى لمجايلين لا تفترق في المقام والإيقاع، بل بالمزاج والأسلوب، وتفنيد ذلك محله في كتاب "الأغنية السياسية في الخليج" (2019).

نعم، هل هناك ما هو أبعد من حكاية أستاذ وتلميذه، على أن علاقات إنسانية، مقبولة ومرفوضة، يمكن أن تقوم في أوساط من الجنس الواحد، سواء مكبوتة أو مسوّغة؟. لا يفضل أحد الحديث عن هذا لأسباب مختلفة، ويتجه البعض إلى تضخيم نقيضها لتغطيتها، وهذا حادث دائم في سيرة الشخصيات العامة في الثقافة العربية بين القرنين العشرين والواحد والعشرين.

إن جمهرة من الرواة ذكرت أن ابن فارس، بواعز داخلي، تحدى الضبط الاجتماعي في البحرين، مرتين، في عقد العشرينيات من القرن العشرين، الأولى، عام 1924، اخترق منع الصيد في جزيرة أم النعسان حيث كان الهدف صيد الأرانب المسموح بينما تعدى السلوقي على غزلان الجزيرة ما جعل السلطات تعلن القبض عليه، ففر من البحرين إلى قطر ومنها إلى عُمان، ولم يعد إلا بعفو من الحاكم الشيخ حمد بن عيسى، والثانية، 1925، بأن شجّع – أو أغوى – أحد أبناء الموسرين بالغناء والسهر في أحد دور السمرات، ووالده يمنعه خشية العار الاجتماعي، وحضر سهرة في أحد الدور، ويحدث فيها ما يمكن أن يحدث آنذاك بما يتعدى اللهو البريء إلى اللهو المذنب من الضبط الاجتماعي، فشكا والد الشاب وصدر الأمر من السلطات بإغلاق الدار، ولكن ابن فارس تحدى وصاحب الدار وفتحاها تحدياً ما دعا إلى سجنهما شهراً.

إن شخصية هذا المغني الكبير، شابتها في شبابه، بدوافع أسرية، سلوكيات الاضطراب التي تسقط السبب المضخم لدور عبد الرحيم بن صالح في الغناء، إلى دور آخر يخص الشخصين نفسيهما، وليس مجال المقالة.

تقدم لنا هذه المقولات التاريخية، حول جذور التراث الثقافي الخليجي، سواء فن الصوت، أي: فن الحضر، فن القصور، وهذا ما جعل المغني عبد اللطيف الكويتي، يشبه نفسه بتاريخ مغني البلاط الأموي والعباسي الكبار، الذين وضع كتاب "الأغاني" للأصفهاني، لتأريخ هذا التراث الثقافي سواء في دمشق أو بغداد.

أو فن الفجري، وهو فن عمال، فن نشأ ليحاكي بيئة البحر، هذا البحر الغامض، لا يدرك أحد أغواره، فكل أمر أو شيء يرد إلى الغريب والعجيب، والجان مخلوق مرئي ومحجوب، صورته وصوته في التوهم الإنساني، كأنما يتساوى هذا المحظي بالعجيب والمحروم من الرؤية بحظ هذا العامل المواجه القهر من جلاد الأرض والخوف من جوف البحر.

أو ردّ الفنون إلى أسلاف من خارج بلدانها، إن البحث عن أسلاف، هو قلق في فهم النسب الثقافي، وهذا ما كان يتوهمه من يفهم حكاية عبد الله الفرج والراقصة الهندية، وهي في ظاهرها قصة مزعومة عن علاقة عشق منبوذة أو مكروهة، ولكنها في مضمرها تطلق سلفاً موهوماً وذلك لأن أحد فنون الصوت، نسب إل هندستان، صوت "ملك الغرام"، يبدو أنه وضع لحنه هناك، وعكسها حكاية عبد الرحيم بن صالح ومحمد بن فارس، التي في ظاهرها علاقة أستاذ بتلميذ، حصرها محمد بن زويد، باستلام نصوص شعرية، ولكن في مضمرها أمر آخر أعماه الباحث العماري، قصداً أو عفواً، أو ننسف كل هذا ونقول بأنها مختلقة، لكون ما عرف عنه ابن فارس في شبابه، من سلوك مضطرب أفضى إلى هربه مرة وأخرى إلى سجنه، وهذا تحد مباشر صوب الضبط الاجتماعي المتغير.

ما يكون ممنوعاً اليوم، يتحول إلى مقبول في يوم آخر.

إذن، إن البحث عن الأسلاف، عند ممارسي الفنون أنفسهم، ثم من نقل عنهم من رواة، أو العمل المضني، عند مؤرخين وباحثين، لعملية النسب الثقافي ومتطلباته وإلزاماته، أو توهماته، من أجيال لاحقة، دفع إلى حالة من التوهم لكنها تتساقط عندما يتنامى عند أي باحث أكاديمي جهاز معرفي – نظري وأدوات تفسيرية – تحليلية، ويتعامل مع المادة بصورة خارج التسليم أو الوهم، وهذا دفع نحو تطور الدراسات، من فضاء العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإعادة لتأريخها.

وتعود عملية "التنسيب الثقافي" إلى تواز مع مستوى التنسيب الاجتماعي، في استعادة مشجرات عائلية، وإعادة تشبيك السلاسل إلى مسميات أحلاف وعشائر عربية، كثير منها منقرض، ولكنها تسوغ الوجود وتطمئن الأنفس بعلاقة افتراضية تاريخية وجغرافية، بل أدعى ذلك إلى تقاسم الحضر والبدو أرشيف التحالفات والعشائر، وتوزيع النصاب بينهما. ماذا عن الفئات المنبوذة؟ ماذا عن الفئات المتوطنة؟، حاولت الإجابة عن هذا في كتابي "سرديولوجيا الجزيرة العربية" (2021).

ولكوني أمثل الجيل الرابع من هؤلاء الباحثين، يتوجب عليّ – وسواي – ليس إعادة تفكيك هذه السرديات أو المرويات، في صورة حكايات خرافية أو أساطير فقط، بل قراءة المضمر فيها، وقد شغلني ذلك منذ الأبحاث الأولى المتضمنة في كتاب "سحارة الخليج" (2006) ثم في كتاب "الأغنية السياسية في الخليج" (2019).

إن التفسير مستوى من القراءة، ويعقبه النقد ويعقبهما التحليل، وتتعرض نتائج الثلاثة مستويات هذه إلى الاختبار كلما استجدت معلومات مخطوطة أو مرئية أو مسموعة، فكل وثيقة تضيء زاوية عمينا عنها، ونعمى عن كثير، وتأتي أجيال لتلعب بالأزرار والأضواء، وربما تلعب بها.

 

المصادر:

البسام، عبد الله. (1999). خزانة التواريخ النجدية. بيروت: طبعة خاصة.

العامري، محمد حسني. (1897). نزهة الأحباب في تاريخ مصر وشعراء العصر ومراسلات الأحباب. القاهرة: مطبعة الهلال.

 

المراجع:

بن حربان، جاسم محمد (1994). الفجري. البحرين: طبعة خاصة.

بن حربان، جاسم محمد. (2005). الزار. البحرين: وزارة الإعلام.

الجهني، عويضة بن متيريك. (2000). نجد قبل الوهابية. بيروت: جسور للنشر والتوزيع.

دوخي، يوسف. (1984). الأغاني الكويتية. قطر: مركز المأثورات الشعبية.

الشوك، علي. أسرار الموسيقى. (2003). دمشق: دار المدى للتوزيع والنشر.

الصويان، سعد العبد الله. (2000). الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص. بيروت: دار الساقي.

العلاف، عبد الكريم. (1963). الموال البغدادي. بغداد: المكتبة الأهلية.

علي، أحمد. (1980). الموسيقى والغناء في الكويت. الكويت: شركة الربيعان.

العماري، مبارك بن عمرو. (1991). محمد بن فارس: أشهر من غنى الصوت في الخليج. البحرين: طبعة خاصة.

كمال، أنس محمد سعيد. (1983). السفينة. الطائف: مكتبة المعارف.

مبارك بلال، فايزة. (1994). أغاني المالد الدينية في الكويت. الكويت: طبعة خاصة.

مطر، بولس أنطون. (1980). خليج الأغاني. بيروت: دار المثلث.

الواصل، أحمد. (2006). سحارة الخليج: دراسات في غناء الجزيرة العربية. بيروت: دار الفارابي.

الواصل، أحمد. (2020). الأغنية السياسية في الخليج العربي في تجربة خالد الشيخ: الأغنية، والعروبة، والالتزام. بيروت: دار الفارابي.

الواصل، أحمد. (2022). سرديولوجيا الجزيرة العربية. كولونيا: منشورات الجمل.

 

الأبحاث:

جمال، محمد أحمد. (2002). " أغنيات العمل على سطح السفن ظواهرها الأدبية والموسيقية". الغناء في دول الخليج العربية (ندوة علمية). البحرين.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 01 آب/أغسطس 2022 08:33
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل يكون الطفل طالباً أفضل إذا تعلم العزف على آلة موسيقية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM